goto to the first of allgoto to the first of current treegoto previous childNo next childNo last of current treegoto to the last of allgoto ParentNo Child

كشف‏الغمة > المجلد الثاني من كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة > تتمة الجزء الثاني > ذكر الإمام الثامن أبي الحسن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ع >

باب مولد الرضا ع من كتاب عيون أخباره

ولد بالمدينة يوم ليلة الخميس- لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول- سنة ثلاث و خمسين و مائة من الهجرة- بعد وفاة أبي عبد الله ع بخمس سنين- و توفي بطوس في قرية يقال لها سناباذ من رستاق نوقان و دفن في دار حميد بن قحطبة الطائي في القبة التي فيها الرشيد إلى جانبه مما يلي القبلة- و ذلك في شهر رمضان لسبع بقين منه- يوم الجمعة سنة ثلاث و مائتين- و قد تم عمره تسعا و أربعين سنة و ستة أشهر- منها مع أبيه موسى ع تسعا و عشرين سنة و شهرين- و بعد أبيه بأيام إمامته عشرين سنة و أربعة أشهر- و كان في أيام إمامته بقية ملك الرشيد و ملك الأمين محمد بن زبيدة و ملك المأمون فأخذ البيعة لعلي ع بغير رضاه- و ذلك بعد أن تهدده بالقتل- و ألح عليه مرة بعد أخرى- في كلها يأبى عليه حتى أشرف من بأسه على الهلاك-

و قال ع اللهم إنك قد نهيتني عن الإلقاء بيدي إلى التهلكة- و قد أشرفت من قبل عبد الله المأمون على القتل- متى لم أقبل ولاية عهده- و قد أكرهت و اضطررت كما اضطر يوسف و دانيال ع إذ قبل كل واحد منهما الولاية لطاغية زمانه- اللهم لا عهد لي إلا عهدك- و لا ولاية لي إلا من قبلك- فوفقني لإقامة دينك و إحياء سنة نبيك- فإنك أنت المولى و النصير- نعم المولى أنت و نعم النصير ثم قبل ولاية العهد من المأمون على أن لا يولي أحدا و لا يعزل أحدا- و لا يغير سنة و لا رسما- و أن يكون في الأمر مشيرا من بعيد- فأخذ له المأمون البيعة على الخاص و العام- و كان إذا ظهر للمأمون من الرضا ع فضل و علم و حسن تدبير- حسده على ذلك و حقده عليه- حتى ضاق صدره منه فغدر به فقتله بالسم- و مضى إلى رضوان الله و كرامته

و عن علي بن ميثم عن أبيه قال سمعت أمي تقول سمعت نجمة أم الرضا ع تقول لما حملت بابني لم أشعر بثقل الحمل- و كنت أسمع في منامي تسبيحا و تهليلا و تحميدا من بطني- فيفزعني ذلك فإذا انتبهت لم أسمع شيئا- فلما وضعته

صفحه: 298

وقع إلى الأرض واضعا يده على الأرض- رافعا رأسه إلى السماء- يحرك شفتيه كأنه يتكلم- فدخل إلي أبوه موسى بن جعفر ع فقال هنيئا لك يا نجمة كرامة ربك- فناولته إياه في خرقة بيضاء فأذن في أذنه اليمنى- و أقام في اليسرى و دعا بماء الفرات و حنكه به- ثم رده إلي فقال خذيه فإنه بقية الله في أرضه قال الفقير إلى الله تعالى- عبد الله علي بن عيسى أثابه الله بكرمه- قال أبو جعفر القمي المذكور رحمه الله تعالى- إن الرضا ع ولد بالمدينة و كذا قال غيره- و قال دعا بماء الفرات من ساعته و حنكه به- و لعله أراد بماء فرات أو بالماء الفرات- أو كان عندهم ماء الفرات لهذا الأمر و أمثاله- أو أتي بماء الفرات من ساعته- فهو سهل بالنسبة إلى معجزاتهم و كراماتهم- و دلائلهم و آياتهم ع

و قال باب في النص عليه من أبيه موسى بن جعفر ع محمد بن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر ع و قد اشتكى شكاة شديدة- فقلت له إن كان ما أسأل الله أن لا يريناه فإلى من- قال إلى ابني علي فكتابه كتابي و هو وصيي و خليفتي من بعدي

و عن علي بن يقطين قال كنت عند أبي الحسن موسى بن جعفر ع و عنده علي ابنه ع- فقال يا علي هذا ابني سيد ولدي و قد نحلته كنيتي- فضرب هشام بن سالم يده على جبهته- و قال إنا لله نعى و الله إليك نفسه

و عن علي بن يقطين قال كنت عند العبد الصالح موسى بن جعفر ع فدخل عليه ابنه الرضا ع و قال مثله- فقال له هشام ويحك كيف قال- فقال سمعت منه كما قلت لك- قال هشام أخبرك أن الأمر فيه من بعده

و عن نعيم بن قابوس قال قال أبو الحسن ع علي ابني أكبر ولدي و أسمعهم لقولي و أطوعهم لأمري- ينظر في كتاب الجفر و الجامعة- و لا ينظر فيهما إلا نبي أو وصي نبي و عدد نصوصا كثيرة عن أبيه ع- و قد كان يكفيني هذا الكتاب- فيما أريده من أخبار الرضا ع و يغنيني عما سواه- و لكني اتبعت عادتي في النقل

صفحه: 299

من كتب متعددة- و عن رواة مختلفة ليكون أدعى إلى قبوله- و هذا كتاب عيون أخبار الرضا ع قد اشتمل على فرائد و أوائد أحسن من العقود القلائد- في لبات الخرائد- فمن أراد أن يسرح طرفه في رياضيه- و يروى ظمأه من نمير حياضه- و يعجب من غرائبه و فنونه و حدائقه و عيونه- فقد دللته عليه و أهديت عقيلته إليه- فما عليه مزيد في معناه- و قد أجاد ما شاء جامعه رحمه الله

و قال صاحب كتاب الدلائل عن جعفر بن محمد بن يونس قال كتب رجل إلى الرضا ع يسأله مسائل- و أراد أن يسأله عن الثوب الملحم يلبسه المحرم- و عن سلاح رسول الله ص فنسي ذلك و تلهف عليه- فجاء جواب المسائل- و فيه لا بأس بالإحرام في الثوب الملحم- و اعلم أن سلاح رسول الله ص فينا- بمنزلة التابوت في بني إسرائيل يدور مع كل عالم حيث دار

و عن معمر بن خلاد قال قال لي الريان بن الصلت بمرو و قد كان الفضل بن سهل بعثه إلى بعض كور خراسان فقال لي أحب أن أستأذن على أبي الحسن فأسلم عليه و أودعه- و أحب أن يكسوني من ثيابه- و أن يهب لي من دراهمه التي ضربت باسمه- قال معمر فدخلت على أبي الحسن فقال لي مبتدئا الريان يحب أن يدخل علي- و أن أكسوه من ثيابي و أعطيه من دراهمي- فقلت سبحان الله قد و الله سألني ذلك و أن أسألك له- فقال يا معمر إن المؤمن موفق قل له فليجئ قال فأمرته فدخل عليه و سلم عليه- فدعا له بثوبين من ثيابه فدفعهما إليه- فلما قام رأيته قد وضع في يده شيئا- فلما خرج قلت له كم أعطاك- فإذا في يده ثلاثون درهما

و عن سليمان بن جعفر الجعفري قال قال لي الرضا ع اشتر لي جارية من صفتها كذا و كذا- فأصبت له جارية عند رجل من أهل المدينة كما وصف- فاشتريتها و دفعت الثمن إلى مولاها- و جئت بها إليه فأعجبته و وقعت منه- فمكثت أياما ثم لقيني مولاها و هو يبكي- فقال الله الله في- لست أتهنأ العيش و ليس

صفحه: 300

لي قرار و لا نوم- فكلم أبا الحسن يرد علي الجارية و يأخذ الثمن- فقلت أ مجنون أنت- أنا أجترئ أن أقول له يردها عليك- فدخلت على أبي الحسن فقال لي مبتدئا- يا سليمان صاحب الجارية يريد أن أردها عليه- قلت إي و الله قد سألني أن أسألك- قال فردها عليه و خذ الثمن- ففعلت و مكثت أياما ثم لقيني مولاها- فقال جعلت فداك سل أبا الحسن يقبل الجارية- فإني لا أنتفع بها و لا أقدر أدنو منها- قلت إني لا أقدر أن أبتدئه بهذا- قال فدخلت على أبي الحسن فقال يا سليمان صاحب الجارية يريد- أن أقبضها منه و أرد عليه الثمن- قلت قد سألني ذلك- قال فرد علي الجارية و خذ الثمن

و عن الحسن بن أبي الحسن الجيش قال اشتكى عمي محمد بن جعفر شكاة شديدة- حتى خفنا عليه الموت- فدخل عليه أبو الحسن الرضا ع و نحن حوله نبكي من بنيه- و إخوتي و عمي إسحاق عند رأسه يبكي و هو في حالة شديدة- فجاء فجلس في ناحية ينظر إلينا- فلما خرج تبعته فقلت له جعلت فداك- دخلت على عمك و هو في هذا الحال- و نحن نبكي- و إسحاق عمك يبكي- فلم يكن منك شي‏ء- فقال لي أ رأيت هذا الذي من مرضه و يقوم- و يموت هذا الذي يبكي عليه- فقام محمد بن جعفر من وجعه- و اشتكى إسحاق و مات و بكى عليه محمد

و لما خرج محمد بن جعفر بمكة و دعا لنفسه و يسمى بأمير المؤمنين- و بويع له بالخلافة- و دخل عليه أبو الحسن الرضا ع فقال يا عم لا تكذب أباك و أخاك- فإن هذا الأمر لا يتم- قال الراوي فخرج و خرجت معه إلى المدينة فلم يلبث إلا قليلا حتى قدم الجلود فلقيه فهزمه و استأمن إليه محمد بن جعفر فلبس السواد و صعد المنبر- فخلع نفسه و أكذب مقالته- و قال إن هذا الأمر للمأمون و ليس لي فيه حق- ثم خرج إلى خراسان فمات بمرو

صفحه: 301

و عن صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا ع قال سمعته يقول الأئمة علماء حكماء مفهمون محدثون

و عن الحسن بن علي الوشاء قال كنت بخراسان فبعث إلي الرضا ع يوما- فقال

صفحه: 302

ابعث لي بالحبرة فلم توجد عندي- فقلت لرسوله ما عندي حبرة- فرد إلي الرسول ابعث بالحبرة- فطلبت في ثيابي فلم أجد شيئا- فقلت لرسوله قد طلبت فلم أقع بها- فرد إلي الرسول الثالث ابعث بالحبرة- فقمت أطلب ذلك فلم يبق إلا صندوق- فقمت إليه فوجدت فيه حبرة فأتيته بها- و قلت أشهد أنك إمام مفترض الطاعة- و كان سببي في دخولي هذا الأمر

و قال عبد الله بن المغيرة كنت واقفا و حججت على ذلك- فلما صرت إلى مكة خلج في صدري شي‏ء- فتعلقت بالملتزم و قلت اللهم قد علمت طلبتي- و إرادتي فأرشدني إلى خير الأديان- فوقع في نفسي أن آتي الرضا ع فأتيت المدينة فوقفت ببابه- و قلت للغلام قل لمولاك رجل من أهل العراق بالباب- فسمعت نداءه و هو يقول- ادخل يا عبد الله بن المغيرة فدخلت فلما نظر إلي قال- قد أجاب الله دعوتك و هداك لدينه- فقلت أشهد أنك حجة الله و أمين الله على خلقه

و عن الحسن بن علي الوشاء قال قال فلان بن محرز بلغنا أن أبا عبد الله ع كان- إذا أراد أن يعاود أهله للجماع توضأ وضوء الصلاة- و أحب أن تسأل أبا الحسن الثاني عن ذلك- قال الوشاء فدخلت عليه فابتدأني من غير أن أسأله- فقال كان أبو عبد الله ع إذا جامع- و أراد أن يعاود توضأ وضوء الصلاة- و إذا أراد أيضا توضأ للصلاة- فخرجت إلى الرجل- فقلت قد أجابني عن مسألتك من غير أن أسأله

و عن حنان بن سدير قال قلت لأبي الحسن الرضا ع أ يكون إمام ليس له عقب- فقال أبو الحسن أما إنه لا يولد لي إلا واحد- و لكن الله منشئ منه ذرية كثيرة- قال أبو خداش سمعت هذا الحديث منذ ثلاثين سنة

و عن الوشاء قال سألني العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث أن أسأله أن يخرق كتبه إذا قرأها- مخافة أن تقع في يدي غيره- قال الوشاء فابتدأني بكتاب قبل أن أسأله أن يخرق كتبه- أعلم صاحبك أني إذا قرأت كتبه خرقتها

و عن ذروان المدائني أنه دخل على أبي الحسن الثاني ع يريد أن يسأله عن

صفحه: 303

عبد الله بن جعفر فأخذ بيدي فوضعها على صدره- قبل أن أذكر له شيئا مما أردت- ثم قال يا محمد بن آدم إن عبد الله لم يكن إماما- فأخبرني بما أردت قبل أن أسأله

و عن الحسن بن علي الوشاء عن أبي الحسن الرضا ع قال قال لي ابتداء أن أبي كان عندي البارحة- قلت أبوك قال أبي قلت أبوك- قال أبي في المنام إن جعفرا كان يجي‏ء إلى أبي فيقول- يا بني افعل كذا يا بني افعل كذا يا بني افعل كذا- قال فدخلت عليه بعد ذلك- فقال يا حسن إن منامنا و يقظتنا واحد

و عن علي بن محمد القاشاني قال أخبرني بعض أصحابنا أنه حمل إلى الرضا ع مالا له خطر فلم أره سر به- فاغتممت لذلك و قلت في نفسي- قد حملت مثل هذا المال و ما سر به- فقال يا غلام الطست و الماء و قعد على كرسي- و قال بيده للغلام صب علي الماء- فجعل يسيل من بين أصابعه في الطست ذهب- ثم التفت إلي و قال- من كان هكذا لا يبالي بالذي حمل إليه

و عن محمد بن الفضل قال لما كان في السنة التي بطش هارون بالبرامكة و قتل جعفر بن يحيى و حبس يحيى بن خالد و نزل بهم ما نزل- كان أبو الحسن واقفا بعرفة يدعو- ثم طأطأ رأسه فسئل عن ذلك- فقال إني كنت أدعو الله على البرامكة قد فعلوا بأبي ما فعلوا- فاستجاب الله لي فيهم اليوم- فلما انصرف لم يلبث إلا يسيرا- حتى بطش بجعفر و حبس يحيى و تغيرت حالهم

و عن موسى بن عمران قال رأيت علي بن موسى ع في مسجد المدينة و هارون يخطب- فقال تروني و أباه تدفن في بيت واحد

و قال هشام العباسي طلبت بمكة ثوبين سعديين أهديهما لأبي- فلم أصب بمكة منهما شيئا على ما أردت- فمررت بالمدينة منصرفي- فدخلت على أبي الحسن ع فلما ودعته و أردت الخروج- دعا بثوبين سعديين على عمل الوشي الذي كنت طلبت- فدفعهما إلي و قال أقطعهما لأبيك

و عن الحسن بن موسى قال خرجنا مع أبي الحسن ع إلى بعض أمواله في يوم

صفحه: 304

لا سحاب فيه- فلما برزنا قال حملتم معكم المماطر- قلنا لا و ما حاجتنا إليها و ليس سحاب و لا نتخوف المطر- فقال لكني قد حملت و ستمطرون فما مضينا إلا يسيرا- حتى ارتفعت سحابة و مطرنا حتى أهمتنا أنفسنا- فما بقي منا أحد إلا ابتل غيره

و عن الحسن بن منصور عن أخيه قال دخلت على الرضا في بيت داخل في جوف بيت ليلا- فرفع يده فكانت كأن في البيت عشرة مصابيح- فاستأذن عليه رجل فخلى يده ثم أذن له

و عن موسى بن مهران قال رأيت أبا الحسن علي بن موسى ع و نظر إلى هرثمة قال فكأني به قد حمل إلى مرو فضربت عنقه و كان كما قال هذا آخر ما أردت نقله من كتاب الدلائل

و قال الراوندي في كتاب الخرائج روى إسماعيل بن أبي الحسن قال كنت مع الرضا ع و قد قال بيده على الأرض كأنه يكشف شيئا- فظهرت سبائك ذهب ثم مسح بيده عليها فغابت- فقلت لو أعطيتني واحدة منها- قال لا إن هذا الأمر لم يأن وقته

و منها ما قال أبو إسماعيل السندي قال سمعت بالسند أن لله حجة في العرب فخرجت منها في الطلب- فدللت على الرضا فقصدته و دخلت عليه- و أنا لا أعرف من العربية كلمة واحدة- فسلمت بالسندية فرد علي بلغتي- فجعلت أكلمه بالسندية و هو يجيبني بها- فقلت إني سمعت بالسند أن لله حجة في العرب فخرجت في الطلب- فقال قد بلغني ذلك نعم أنا هو- ثم قال سل عما تريد- فسألته عما أردته فلما أردت القيام من عنده- قلت إني لا أحسن شيئا من العربية- فادع الله أن يلهمنيها لأتكلم بها مع أهلها- فمسح يده على شفتي- فتكلمت بالعربية من وقتي

و منها ما روي عن الحسن بن علي بن يحيى قال زودتني جارية لي ثوبين ملحمين- و سألتني أن أحرم فيهما- فأمرت الغلام بوضعهما في العيبة- فلما انتهيت إلى الوقت الذي ينبغي أن أحرم فيه- دعوت بالثوبين لألبسهما ثم اختلج في صدري- فقلت ما ينبغي

صفحه: 305

لي أن ألبس ملحما و أنا محرم- فتركتهما و لبست غيرهما- فلما صرت بمكة كتبت كتابا إلى أبي الحسن و بعثت إليه بأشياء كانت معي- و نسيت أن أكتب إليه أسأله عن المحرم هل يلبس الملحم أم لا- فلم ألبث أن جاءني الجواب بكل ما سألته عنه- و في أسفل الكتاب لا بأس بالملحم أن يلبسه المحرم

و منها ما قال سليمان الجعفري قال كنت مع الرضا ع في حائط له- فأنا أحدثه إذ جاء عصفور فوقع بين يديه- و أخذ يصيح و يكثر الصياح و يضطرب- فقال أ تدري ما يقول- قلت الله و رسوله و ابن رسوله أعلم- قال قد قال لي إن حية تريد أن تأكل فراخي في البيت- فقم و خذ تلك النسعة و ادخل البيت و اقتل الحية- قال فقمت و أخذت النسعة و دخلت البيت- و إذا حية تحول في البيت فقتلتها

و منها ما روي عن بكر بن صالح قال أتيت الرضا ع فقلت امرأتي أخت محمد بن سنان بها حمل- فادع الله أن يجعله ذكرا- قال هما اثنان قلت في نفسي محمد و علي بعد انصرافي- فدعاني بعد ذلك- فقال سم واحدا عليا و الأخرى أم عمر فقدمت الكوفة و قد ولد لي غلام و جارية في بطن- فسميت كما أمرني- و قلت لأمي ما معنى أم عمر فقالت إن أمي كانت تدعى أم عمر

و منها ما روى الوشاء أن الرضا ع قال بخراسان إني حيث أرادوا بي الخروج- جمعت عيالي فأمرتهم أن يبكوا علي حتى أسمع- ثم فرقت فيهم اثني عشر ألفا- ثم قال إني لا أرجع إلى عيالي أبدا

و عن الوشاء قال لذعتني عقرب- فأقبلت أقول يا رسول الله يا رسول الله فأنكر السامع و تعجب من ذلك- فقال له الرضا ص مه فو الله لقد رأى رسول الله قال و قد كنت رأيت رسول الله ص في النوم- و لا و الله ما كنت أخبرت به أحدا قال الفقير إلى الله تعالى عبد الله علي بن عيسى غفر الله له برحمته ذنوبه و ستر بعفوه

صفحه: 306

و تجاوزه عيوبه- أن الحافظ أبا نعيم وصل معنا- إلى أخبار أبي عبد جعفر بن محمد الصادق ع و أضرب صفحا عمن سواه- و أما ابن الجوزي فإنه ذكر العبد الصالح موسى بن جعفر ع و ما تعداه- و هما في كتابيهما يذكران- من مجهولي العباد و من شذاذ العباد- من لا يعرف اسمه و لا نسبه- و لا يتحقق طريقه و لا مذهبه- فيقولان مثلا عابد كان باليمن عابدة حبشية إلى أمثال هذا- و لا يذكرون مثل موسى الكاظم و لا علي الرضا و لا محمد الجواد و أبنائهم- فأما عبد العزيز الحافظ الجنابذي فإنه وصل إلى الحسن العسكري ع و وقف حين وصل إلى ذكر الإمام الخلف الصالح- مولانا الحجة عليه و على آبائه أفضل الصلاة و السلام- فأما كمال الدين بن طلحة رحمه الله- فإنه ذكر السلف و الخلف و جرى في مضماره و ما وقف- و إن أنكر غيره شيئا فقد أقر رحمه الله و اعترف- و من أعجب الأمور- أن أبا نعيم متهم بالتشيع- و فعله هذا يرفعه عنه غاية الترفع- عفا الله عنا و عنهم- فكل قال على قدر اجتهاده- و كل منا لسانه من خدم فؤاده- فلا يقول إلا بمقتضى مراده

و قال الآبي في نثر الدر علي بن موسى الرضا ع سأله الفضل بن سهل في مجلس المأمون فقال يا أبا الحسن الناس مجبرون- فقال الله أعدل من أن يجبر ثم يعذب- قال فمطلقون- قال الله أحكم من أن يهمل عبده و يكله إلى نفسه

أتي المأمون بنصراني قد فجر بهاشمية- فلما رآه أسلم فغاظه ذلك- و سأل الفقهاء فقالوا هدر الإسلام ما قبله- فسأل الرضا ع فقال اقتله لأنه أسلم حين رأى البأس- قال الله عز و جل فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلى آخر السورة

قال عمرو بن مسعدة بعثني المأمون إلى علي ع لأعلمه بما أمرني به من كتاب في تقريظه فأعلمته ذلك- فأطرق مليا و قال يا عمرو إن من أخذه برسول الله لحقيق أن يعطى به

و سئل عن صفة الزاهد- فقال متبلغ بدون قوته- مستعد ليوم موته و متبرم بحياته-

صفحه: 307

و سئل عن القناعة- فقال القناعة تجتمع إلى صيانة النفس و عز القدر- و طرح مؤن الاستكثار و التعبد لأهل الدنيا- و لا يسلك طريق القناعة إلا رجلان- إما متعلل يريد أجر الآخرة- أو كريم متنزه عن لئام الناس

امتنع عنده رجل من غسل اليد قبل الطعام- فقال اغسلها فالغسلة الأولى لنا- و أما الثانية فلك فإن شئت فاتركها

أدخل رجل إلى المأمون أراد ضرب رقبته و الرضا ع حاضر- فقال المأمون ما تقول فيه يا أبا الحسن فقال أقول إن الله لا يزيدك بحسن العفو إلا عزا- فعفا عنه

حدث أبو الصلت قال كنت مع علي بن موسى الرضا ع و قد دخل نيسابور و هو راكب بغلة شهباء- فغدا في طلبه علماء البلد أحمد بن حرب و ياسين بن النضر و يحيى بن يحيى و عدة من أهل العلم- فتعلقوا بلجامه في المربعة- فقالوا بحق آبائك الطاهرين- حدثنا بحديث سمعته من أبيك- قال حدثني أبي العدل الصالح موسى بن جعفر ع قال حدثني أبي الصادق جعفر بن محمد قال حدثني أبي باقر علم الأنبياء محمد بن علي قال حدثني أبي سيد العابدين علي بن الحسين قال حدثني أبي سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي قال سمعت أبي سيد العرب علي بي أبي طالب قال سمعت رسول الله ص يقول- الإيمان معرفة بالقلب و إقرار باللسان و عمل بالأركان قال و قال أحمد بن حنبل لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبرأ من جنونه- و روى عن عبد الرحمن بن أبي حاتم مثل ذلك- يحكيه عن أبيه و أنه قرأه على مصروع فأفاق- قال الفقير إلى الله تعالى جامع هذا الكتاب- أثابه الله تعالى- نقلت من كتاب لم يحضرني اسمه الآن ما صورته- حدث المولى السعيد إمام الدنيا عماد الدين- محمد بن

صفحه: 308

أبي سعد بن عبد الكريم الوزان في محرم سنة ست و تسعين و خمسمائة- قال أورد صاحب كتاب تاريخ نيسابور في كتابه- أن علي بن موسى الرضا ع لما دخل إلى نيسابور في السفرة التي فاز فيها بفضيلة الشهادة- كان في مهد على بغلة شهباء- عليها مركب من فضة خالصة- فعرض له في السوق الإمامان الحافظان- للأحاديث النبوية- أبو زرعة و محمد بن أسلم الطوسي رحمهما الله- فقالا أيها السيد بن السادة- أيها الإمام و ابن الأئمة- أيها السلالة الطاهرة الرضية- أيها الخلاصة الزاكية النبوية- بحق آبائك الأطهرين و أسلافك الأكرمين- إلا ما أريتنا وجهك المبارك الميمون- و رويت لنا حديثا عن آبائك عن جدك نذكرك به- فاستوقف البغلة و رفع المظلة- و أقر عيون المسلمين بطلعته المباركة الميمونة- فكانت ذؤابتاه كذؤابتي رسول الله ص و الناس على طبقاتهم قيام كلهم- و كانوا بين صارخ و باك و ممزق ثوبه- و متمرغ في التراب و مقبل حزام بغلته- و مطول عنقه إلى مظلة المهد- إلى أن انتصف النهار و جرت الدموع كالأنهار- و سكنت الأصوات و صاحت الأئمة و القضاة- معاشر الناس اسمعوا و عوا- و لا تؤذوا رسول الله ص في عترته و أنصتوا- فأملى ص هذا الحديث- و عد من المحابر أربع و عشرون ألفا- سوى الدوي و المستملي- أبو زرعة الرازي و محمد بن أسلم الطوسي رحمهما الله-

فقال ص حدثني أبي موسى بن جعفر الكاظم قال حدثني أبي جعفر بن محمد الصادق قال حدثني أبي محمد بن علي الباقر قال حدثني أبي علي بن الحسين زين العابدين قال حدثني أبي الحسين بن علي شهيد أرض كربلاء قال حدثني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب شهيد أرض الكوفة قال حدثني أخي و ابن عمي محمد رسول الله ص قال حدثني جبرئيل ع قال سمعت رب العزة سبحانه و تعالى يقول كلمة لا إله إلا الله حصني فمن قالها دخل حصني- و من دخل حصني أمن من عذابي صدق الله سبحانه و صدق جبرئيل و صدق رسوله و صدق الأئمة ع- قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله- إن هذا الحديث بهذا السند بلغ بعض أمراء السامانية- فكتبه بالذهب و أوصى أن يدفن معه- فلما مات رئي

صفحه: 309

في المنام- فقيل ما فعل الله بك- فقال غفر الله لي بتلفظي بلا إله إلا الله- و تصديقي محمدا رسول الله مخلصا- و أنى كتبت هذا الحديث بالذهب تعظيما و احتراما- رجع إلى ما ذكره الآبي في نثر دره

لما عقد المأمون البيعة له بعده قال- يا أمير المؤمنين إن النصح واجب لك- و الغش لا ينبغي لمؤمن- أن العامة تكره ما فعلت بي- و أن الخاصة تكره ما فعلت بالفضل بن سهل فالرأي لك إن تنحينا عنك حتى يصلح أمرك و كان أبو إبراهيم بن العباس الصولي يقول- هذا كان و الله السبب فيما آل الأمر إليه

و روى عن بعض أصحابه قال دخلت عليه بمرو فقلت يا ابن رسول الله روي لنا عن الصادق ع أنه قال- لا جبر و لا تفويض أمر بين أمرين فما معناه- قال من زعم أن الله فوض أمر الخلق و الرزق إلى حججه- فقد قال بالتفويض- و القائل بالجبر كافر و القائل بالتفويض مشرك- فقلت يا ابن رسول الله فما أمر بين أمرين- قال وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به و ترك ما نهوا عنه

و قال ليس الحمية من الشي‏ء تركه و لكن الإقلال منه

و قال في قول الله تعالى فَاصْفَحِ اَلصَّفْحَ اَلْجَمِيلَ قال عفو بغير عتاب- و في قوله خَوْفاً وَ طَمَعاً قال خوفا للمسافر و طمعا للمقيم

و قال المأمون يا أبا الحسن أخبرني عن جدك علي بن أبي طالب بأي وجه هو قسيم الجنة و النار- فقال ع يا أمير المؤمنين- أ لم ترو عن أبيك عن آبائه- عن عبد الله بن عباس أنه قال سمعت رسول الله ص يقول- حب علي إيمان و بغضه كفر فقال بلى- قال الرضا ع فقسمة الجنة و النار إليه- فقال المأمون لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن أشهد أنك وارث علم رسول الله ص

صفحه: 310

قال أبو الصلت الهروي فلما رجع الرضا إلى منزله أتيته- فقلت يا ابن رسول الله ما أحسن ما أجبت به أمير المؤمنين- فقال يا أبا الصلت أنا كلمته من حيث هو- و لقد سمعت أبي يحدث عن آبائه عن علي ع قال قال لي رسول الله ص يا علي أنت قسيم الجنة و النار يوم القيامة- تقول للنار هذا لي و هذا لك

و دخل عليه بخراسان قوم من الصوفية- فقالوا له إن أمير المؤمنين المأمون نظر فيما ولاه الله تعالى من الأمر- فرآكم أهل البيت أولى الناس بأن تأموا الناس- و نظر فيكم أهل البيت فرآك أولى الناس بالناس- فرأى أن يرد هذا الأمر إليك- الأئمة تحتاج إلى من يأكل الجشب- و يلبس الخشن و يركب الحمار و يعود المريض- قال و كان الرضا متكئا فاستوى جالسا- ثم قال كان يوسف نبيا يلبس أقبية الديباج المزردة بالذهب- و يجلس على متكئات آل فرعون و يحكم- إنما يراد من الإمام قسطه و عدله- إذا قال صدق و إذا حكم عدل و إذا وعد أنجز- إن الله لم يحرم لبوسا و لا مطعما- و تلا قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِ- اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ اَلطَّيِّباتِ مِنَ اَلرِّزْقِ

و من تذكرة ابن حمدون قال علي بن موسى بن جعفر ع من رضي من الله عز و جل بالقليل من الرزق- رضي الله منه بالقليل من العمل

و قال لا يعدم المرء دائرة السوء مع نكث الصفقة- و لا يعدم تعجيل العقوبة مع إدراع البغي

و قال الناس ضربان بالغ لا يكتفي و طالب لا يجد

و كان زيد بن موسى بن جعفر خرج بالبصرة و دعا إلى نفسه و أحرق دورا و عاث- ثم ظفر به و حمل إلى المأمون قال زيد لما دخلت إلى المأمون نظر إلي- ثم قال اذهبوا به إلى أخيه أبي الحسن علي بن موسى الرضا فتركني بين يديه ساعة واقفا- ثم قال يا زيد سوأة لك- ما أنت قائل لرسول الله ص إذا سفكت

صفحه: 311

الدماء و أخفت السبيل- و أخذت المال من غير حله- لعله غرك حديث حمقى أهل الكوفة أن النبي ص قال- إن فاطمة أحصنت فرجها فحرمها الله ذريتها على النار- إن هذا لمن خرج من بطنها و الحسن و الحسين فقط- و الله ما نالوا ذلك إلا بطاعة الله- فلئن أردت أن تنال بمعصية الله ما نالوا بطاعته- إنك إذا لأكرم على الله منهم قلت ظفر المأمون بزيد و إنفاذه إياه إلى أخيه- و ظفره قبل هذا بمحمد بن جعفر و عفوه عنه- و قد خرجا و ادعيا الخلافة- و فعلا ما فعلا من العيث في بلاده- يقوي حجة من ادعى أن المأمون لم يغدر به ع- و لا ركب منه ما اتهم به- فإن محمدا و زيدا لا يقاربان الرضا ع في منزلته من الله سبحانه و تعالى- و لا من المأمون و لم يكن له ذنب يقارب ذنوبهما- بل لم يكن له ذنب أصلا- فما وجه العفو هناك و الفتك هنا و الله أعلم- و وقع إلى حيث انتهيت إلى هنا كتاب الطبرسي إعلام الورى و قد كانت لي نسخة فشذت- قال الباب السابع في ذكر الإمام المرتضى- أبي الحسن علي بن موسى الرضا ع و هو ستة فصول- الفصل الأول في تاريخ مولده و مبلغ سنه و وقت وفاته ع- ولد بالمدينة سنة ثمان و أربعين و مائة من الهجرة- و يقال إنه ولد لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة- يوم الجمعة سنة ثلاث و خمسين و مائة- بعد وفاة أبي عبد الله ع بخمسين سنين- رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه و قيل يوم الخميس- و أمه أم ولد يقال لها أم البنين و اسمها نجمة و يقال سكن النوبية و يقال تكتم و روى الصولي عن عون بن محمد قال سمعت علي بن ميثم قال اشترت حميدة المصفاة و هي أم أبي الحسن موسى و كانت من أشراف العجم جارية مولدة و اسمها تكتم و كانت من أفضل النساء في عقلها و دينها و إعظامها- لمولاتها حميدة حتى أنها ما جلست بين يديها منذ ملكتها إجلالا لها- فقالت لابنها موسى يا بني إن تكتم جارية-

صفحه: 312

ما رأيت جارية قط أفضل منها- و لست أشك أن الله سيطهر نسلها إن كان لها نسل- و قد وهبتها لك فاستوص بها خيرا- و مما يدل على أن اسمها تكتم قول الشاعر يمدح الرضا ع

ألا إن خير الناس نفسا و والدا
و رهطا و أجدادا علي المعظم
أتتنا به للعلم و الحلم ثامنا
إماما يؤدي حجة الله تكتم

و في رواية أخرى عن علي بن ميثم عن أبيه قال- إن حميدة أم موسى بن جعفر ع لما اشترت نجمة رأت في المنام رسول الله ص يقول لها- يا حميدة هبي نجمة لابنك موسى فإنه سيلد منها خير أهل الأرض- فوهبتها له فلما ولدت له الرضا سماها الطاهرة و قبض ع في طوس بخراسان في قرية يقال لها سناباذ في آخر صفر- و قيل إنه توفي ع في شهر رمضان- بسبع بقين منه يوم الجمعة من سنة ثلاث و مائتين- و له يومئذ خمس و خمسون سنة- و كانت مدة إمامته و خلافته لأبيه عشرين سنة- و كانت في أيام إمامته بقية ملك الرشيد و ملك محمد الأمين بعده ثلاث سنين و خمسة و عشرين يوما- ثم خلع الأمين و أجلس عمه إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة أربعة عشر يوما- ثم أخرج محمد ثانية و بويع له- و بقي بعد ذلك سنة و سبعة أشهر- و قتله طاهر بن الحسين ثم ملك المأمون عبد الله بن هارون بعده عشرين سنة- و استشهد ع في أيام ملكه- و إنما سمي الرضا لأنه كان رضي لله عز و جل في سمائه- و رضي لرسوله- و رضي للأئمة بعده في أرضه- و قيل لأنه رضي به المخالف و الموافق- و ذكر في الفصل الثاني النصوص الدالة على إمامته- و قد تقدمت أو بعضها فيما ذكرته من أخباره- و كلها نصوص من أبيه عليه دون أولاده- ثم ذكر الفصل الثالث في ذكر دلالاته و معجزاته ع- قال و قد نقلت الرواة من العامة و الخاصة كثيرا- من دلالاته و آياته في حياته و بعد وفاته

فمنها ما حدث به علي بن أحمد بن الوشاء الكوفي قال خرجت من الكوفة إلى خراسان فقالت لي ابنتي يا أبة خذ هذه الحلة فبعها- و اشتر لي بثمنها فيروزجا-

صفحه: 313

قال فأخذتها و شددتها في بعض متاعي- فلما قدمت مرو نزلت في بعض الفنادق- فإذا غلمان علي بن موسى الرضا ع قد جاءوني- و قالوا نريد حلة نكفن بها بعض غلماننا- فقلت ما عندي شي‏ء فمضوا ثم عادوا و قالوا- مولانا يقرأ عليك السلام و يقول لك- معك حلة في السفط الفلاني دفعتها إليك ابنتك- و قالت اشتر لي بثمنها فيروزجا و هذا ثمنها- فدفعتها إليهم و قلت و الله لأسألنه عن مسائل- فإن أجابني عنها فهو هو- فكتبتها و غدوت إلى بابه- فلم أصل إليه لكثرة ازدحام الناس عليه- فبينما أنا جالس إذ خرج إلي خادم- فقال يا علي بن أحمد هذه جوابات مسائلك التي معك- فأخذتها فإذا هي جواب مسائلي بعينها

و منها ما رواه الحاكم أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن محمد بن عيسى عن أبي حبيب النباجي قال رأيت رسول الله ص في المنام و قد وافى النباج- و نزل في المسجد الذي ينزله الحجاج في كل سنة- و كأني مضيت إليه و سلمت عليه و وقفت بين يديه- فوجدت عنده طبقا من خوص المدينة فيه تمر صيحاني- و كأنه قبض قبضة من ذلك التمر فناولني- فعددته فكان ثماني عشرة تمرة- فتأولت أني أعيش بعدد كل تمرة سنة- فلما كان بعد عشرين يوما- كنت في أرض تعمر بين يدي للزراعة- إذ جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا ع من المدينة و نزوله في ذلك المسجد- و رأيت الناس يسعون إليه- فمضيت نحوه- فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبي ص و تحته حصير مثل ما كان تحته- و بين يديه طبق من خوص فيه تمر صيحاني- فسلمت عليه فرد علي السلام و استدناني- فناولني قبضة من ذلك التمر- فعددته فإذا هو بعدد ما ناولني رسول الله ص فقلت زدني يا ابن رسول الله- فقال لو زادك رسول الله ص لزدناك

صفحه: 314

و من ذلك ما أورده الحاكم أيضا و رواه بإسناده عن سعيد بن سعد عنه ع أنه نظر إلى رجل فقال يا عبد الله أوص بما تريد- و استعد لما لا بد منه- فمات الرجل بعد ذلك بثلاثة أيام

و عن الحسين بن موسى بن جعفر ع قال كنا حول أبي الحسن الرضا ع و نحن شبان من بني هاشم إذ مر علينا جعفر بن عمر العلوي و هو رث الهيئة- فنظر بعضنا إلى بعض فضحكنا من هيئته- فقال الرضا ع سترونه عن قريب كثير المال كثير التبع- فما مضى إلا شهر أو نحوه حتى ولى المدينة و حسنت حاله و كان يمر بنا و معه الخصيان و الحشم

و بإسناده عن الحسين بن بشار قال قال لي الرضا ع إن عبد الله يقتل محمدا فقلت أ عبد الله بن هارون يقتل محمد بن هارون قال نعم- عبد الله الذي بخراسان يقتل محمد بن زبيدة الذي هو ببغداد فقتله

حدث أبو أحمد عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بالصفواني قال خرجت قافلة خراسان إلى كرمان فقطع اللصوص عليهم الطريق- و أخذوا منهم رجلا اتهموه بكثرة المال- فأقاموه في الثلج و ملئوا فاه منه- فانفسد فمه و لسانه حتى لم يقدر على الكلام- ثم انصرف إلى خراسان و سمع خبر الرضا ع و أنه بنيسابور فرأى فيما يرى النائم كان قائلا يقول له- إن ابن رسول الله ورد خراسان فسله عن علتك- ليعلمك دواء تنتفع به- قال فرأيت كأني قد قصدته و شكوت إليه- كما كنت دفعت إليه و أخبرته بعلتي- فقال لي خذ من الكمون و السعتر و الملح و دقه- و خذ منه في فمك مرتين أو ثلاثا فإنك تعافى- فانتبه الرجل و لم يفكر في منامه حتى ورد نيسابور فقيل له إن الرضا ع ارتحل من نيسابور و هو في رباط سعد فوقع في نفسه أن يقصده و يصف له أمره- فدخل إليه فقال له- يا ابن رسول الله كان من أمري كيت و كيت- و قد انفسد علي فمي و لساني- حتى لا أقدر على الكلام إلا بجهد- فعلمني دواء أنتفع به- فقال ع أ لم أعلمك فاذهب- و استعمل ما وصفته لك في منامك- فقال الرجل يا ابن رسول

صفحه: 315

الله إن رأيت أن تعيده علي- فقال تأخذ الكمون و السعتر و الملح فدقه- و خذ منه في فمك مرة أو مرتين أو ثلاثا فإنك تعافى- قال الرجل فاستعملت ما وصفه لي فعوفيت- قال الثعالبي سمعت الصفواني يقول- رأيت هذا الرجل و سمعت منه هذه الحكاية

و عن حمزة بن جعفر الأرجاني قال خرج هارون من المسجد الحرام من باب- و خرج الرضا ع من باب- فقال الرضا ع و هو يعني هارون ما أبعد الدار و أقرب اللقاء- يا طوس يا طوس ستجمعني و إياه- و بإسناده عن صفوان بن يحيى قال- لما مضى أبو الحسن موسى ع و تكلم الرضا ع خفنا عليه من ذلك و قلنا- إنك قد أظهرت أمرا عظيما- و إنا نخاف عليك هذا الطاغي- قال ليجهد جهده فلا سبيل له علي- قال صفوان فأخبرنا الثقة- أن يحيى بن خالد قال للطاغي هذا علي ابنه- قد قعد و ادعى الأمر لنفسه- فقال ما يكفينا ما صنعنا بأبيه من قبل- تريد أن نقتلهم جميعا

و بإسناد عن علي بن جعفر عن أبي الحسن الطيب قال لما توفي أبو الحسن موسى ع دخل أبو الحسن الرضا ع إلى السوق- فاشترى كبشا و كلبا و ديكا- فلما كتب صاحب الخير بذلك إلى هارون قال- قد أمنا جانبه- و كتب الزبيري أن علي بن موسى قد فتح بابه- و دعا إلى نفسه- فقال هارون وا عجبا إن علي بن موسى قد اشترى كلبا- و كبشا و ديكا و يكتب فيه ما يكتب قال الطبرسي رحمه الله- و أسانيد هذه الأحاديث مذكورة في كتاب عيون الأخبار للشيخ أبي جعفر قدس الله روحه- و أما ما ظهر للناس بعد وفاته- من بركة مشهده المقدس- و علاماته و العجائب التي شاهدها الخلق فيه- فأذعن الخاص و العام له- و أقر المخالف و المؤالف به إلى يومنا هذا- فكثير خارج عن حد الإحصاء و العد- و لقد برأ فيه الأكمه و الأبرص- و استجيبت الدعوات و قضيت ببركته الحاجات- و كشف الملمات

صفحه: 316

و شهدنا كثيرا من ذلك- و تيقناه و علمناه علما لا يتخالج الشك و الريب في معناه- فلو ذهبنا نخوض في إيراد ذلك- لخرجنا عن الغرض في هذا الكتاب- و قال الفصل الرابع في ذكر طرف من خصائصه- و مناقبه و أخلاقه الكريمة ع- قال إبراهيم بن عباس ما رأيت الرضا ع سئل عن شي‏ء إلا علمه- و لا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقته و عصره- و كان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شي‏ء فيجيب عنه- و كان كلامه كله و جوابه- و تمثله انتزاعات من القرآن المجيد- و كان يختمه في كل ثلاث-

و كان يقول لو أني أردت أن أختمه في أقرب من ثلاث لختمت- لكني ما مررت بآية قط إلا فكرت فيها- و في أي شي‏ء أنزلت و عنه قال إني ما رأيت و لا سمعت بأحد أفضل- من أبي الحسن الرضا ع و شهدت منه ما لم أشاهد من أحد- و ما رأيته جفا أحدا بكلام قط- و لا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه- و ما رد أحدا عن حاجة قدر عليها- و لا مد رجليه بين يدي جليس له قط- و لا اتكأ بين يديه جليس له قط- و لا رأيته يشتم أحدا من مواليه و مماليكه و لا رأيته تفل قط- و لا رأيته يقهقه في ضحكه بل كان ضحكه التبسم- و كان إذا خلا و نصبت الموائد- أجلس على مائدته مماليكه و مواليه حتى البواب و السائس- و كان قليل النوم بالليل كثير الصوم- و لا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر و يقول- إن ذلك يعدل صيام الدهر- و كان كثير المعروف و الصدقة في السر- و أكثر ذلك منه لا يكون إلا في الليالي المظلمة- فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه- و عن محمد بن أبي عباد قال- كان جلوس الرضا ع على حصير في الصيف- و على مسح في الشتاء و لبسه الغليظ من الثياب- حتى إذا برز للناس تزين لهم- و عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي قال- ما رأيت أعلم من علي

صفحه: 317

بن موسى الرضا ع و لا رآه عالم إلا شهد له بمثل شهادتي- و لقد جمع المأمون في مجالس له عددا من علماء الأديان- و فقهاء الشريعة و المتكلمين- فغلبهم عن آخرهم- حتى ما بقي منهم أحد إلا أقر له بالفضل- و أقر على نفسه بالقصور-

و لقد سمعته ع يقول كنت أجلس في الروضة و العلماء بالمدينة متوافرون- فإذا عيي الواحد منهم عن مسألة أشاروا إلي بأجمعهم- و بعثوا إلي المسائل فأجيب عنها

قال أبو الصلت و لقد حدثني محمد بن إسحاق بن موسى بن جعفر ع عن أبيه أن موسى بن جعفر كان يقول لبنيه- هذا أخوكم علي بن موسى عالم آل محمد فسلوه عن أديانكم- و احفظوا ما يقول لكم- فإني سمعت أبي جعفر بن محمد ع يقول لي- إن عالم آل محمد لفي صلبك- و ليتني أدركته فإنه سمي أمير المؤمنين

و عن محمد بن يحيى الفارسي قال نظر أبو نواس إلى الرضا ع ذات يوم- و قد خرج من عند المأمون على بغلة له- فدنا منه و سلم عليه و قال- يا ابن رسول الله قد قلت فيك أبياتا و أحب أن تسمعها مني- فقال هات فأنشأ يقول

مطهرون نقيات ثيابهم
تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا
من لم يكن علويا حين تنسبه
فما له في قديم الدهر مفتخر
فأنتم الملأ الأعلى و عندكم
علم الكتاب و ما جاءت به السور

فقال الرضا ع قد جئتنا بأبيات ما سبقك إليها أحد- يا غلام هل معك من نفقتنا شي‏ء- فقال له ثلاثمائة دينار فقال أعطها إياه- ثم قال لعله استقلها يا غلام سق إليه البغلة و لأبي نواس أيضا فيه حين عوتب على الإمساك عن مديحه فقال-

قيل لي أنت أوحد الناس طرا
في فنون من الكلام النبيه
لك من جوهر الكلام بديع
يثمر الدر في يدي مجتنيه

صفحه: 318

فعلى ما تركت مدح ابن موسى
و الخصال التي تجمعن فيه
قلت لا أهتدي لمدح إمام
كان جبريل خادما لأبيه

و قد أورد الطبرسي رحمه الله- قصة دعبل بن علي على زيادات عما ذكرناه- فذكرتها عن أبي الصلت الهروي قال دخل دعبل بن علي الخزاعي على الرضا ع بمرو فقال له يا ابن رسول الله إني قد قلت فيكم قصيدة- و آليت على نفسي ألا أنشدها أحدا قبلك- فقال الرضا ع هاتها يا دعبل فأنشد-

تجاوبن بالأرنان و الزفرات
نوائح عجم اللفظ و النطقات
يخبرن بالأنفاس عن سر أنفس
أسارى هوى ماض و آخر آت
فأسعدن أو أسعفن حتى تقوضت
صفوف الدجى بالفجر منهزمات
على العرصات الخاليات من المها
سلام شج صب على العرصات
فعهدي بها خضر المعاهد مألفا
من العطرات البيض و الخفرات

صفحه: 319

ليالي يعدين الوصال على القلى
و يعدي تدانينا على الغربات
و إذ هن يلحظن العيون سوافرا
و يسترن بالأيدي على الوجنات
و إذ كل يوم لي بلحظي نشوة
يبيت بها قلبي على نشوات
فكم حسرات هاجها بمحسر
وقوفي يوم الجمع من عرفات
أ لم تر للأيام ما جر جورها
على الناس من نقص و طول شتات
و من دول المستهزءين و من غدا
بهم طالبا للنور في الظلمات
فكيف و من أنى بطالب زلفة
إلى الله بعد الصوم و الصلوات
سوى حب أبناء النبي و رهطه
و بغض بني الزرقاء و العبلات
و هند و ما أدت سمية و ابنها
أولو الكفر في الإسلام و الفجرات
هم نقضوا عهد الكتاب و فرضه
و محكمه بالزور و الشبهات
و لم تك إلا محنة كشفتهم
بدعوى ضلال من هن و هنات
تراث بلا قربى و ملك بلا هدى
و حكم بلا شورى بغير هدات
رزايا أرتنا خضرة الأفق حمرة
وردت أجاجا طعم كل فرات

صفحه: 320

و ما سهلت تلك المذاهب فيهم
على الناس إلا بيعة الفلتات
و ما قيل أصحاب السقيفة جهرة
بدعوى تراث في الضلال بنات
و لو قلدوا الموصى إليه أمورها
لزمت بمأمون على العثرات
أخي خاتم الرسل المصفى من القذى
و مفترس الأبطال في الغمرات
فإن جحدوا كان الغدير شهيده
و بدر و أحد شامخ الهضبات
و آي من القرآن تتلى بفضله
و إيثاره بالقوت في اللزبات
و عز خلال أدركته بسبقها
مناقب كانت فيه مؤتنفات
مناقب لم تدرك بخير و لم تنل
بشي‏ء سوى حد القنا الذربات
نجي لجبريل الأمين و أنتم
عكوف على العزى معا و منات
بكيت لرسم الدار من عرفات
و أجريت دمع العين بالعبرات
و بان عرا صبري و هاجت صابتي
رسوم ديار قد عفت و عرات
مدارس آيات خلت من تلاوة
و منزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى
و بالبيت و التعريف و الجمرات
ديار لعبد الله بالخيف من منى
و للسيد الداعي إلى الصلوات
ديار علي و الحسين و جعفر
و حمزة و السجاد ذي الثفنات
ديار لعبد الله و الفضل صنوه
نجي رسول الله في الخلوات

صفحه: 321

و سبطي رسول الله و ابني وصيه
و وارث علم الله و الحسنات
منازل وحي الله ينزل بينها
على أحمد المذكور في السورات
منازل قوم يهتدى بهداهم
و تؤمن منهم زلة العثرات
منازل كانت للصلاة و للتقى
و للصوم و التطهير و الحسنات
منازل لا تيم يحل بربعها
و لا ابن صهاك فاتك الحرمات
ديار عفاها جور كل منابذ
و لم تعف للأيام و السنوات
قفا نسأل الدار التي خف أهلها
متى عهدها بالصوم و الصلوات
و أين الأولى شطت بهم غربة النوى
أفانين في الأطراف مفترقات
هم أهل ميراث النبي إذا اعتروا
و هم خير سادات و خير حمات
إذا لم نناج الله في صلواتنا
بأسمائهم لم يقبل الصلوات
مطاعيم في الأقطار في كل مشهد
لقد شرفوا بالفضل و البركات
و ما الناس إلا غاصب و مكذب
و مضطغن ذو إحنة و ترات

صفحه: 322

إذا ذكروا قتلي ببدر و خيبر
و يوم حنين أسبلوا العبرات
فكيف يحبون النبي و رهطه
و هم تركوا أحشاءنا و غرات
لقد لا ينوه في المقال و أضمروا
قلوبا على الأحقاد منطويات
فإن لم تكن إلا بقربي محمد
فهاشم أولى من هن و هنات
سقى الله قبرا بالمدينة غيثه
فقد حل فيه الأمن بالبركات
نبي الهدى صلى عليه ملكيه
و بلغ عنا روحه التحفات
و صلى عليه الله ما ذر شارق
و لاحت نجوم الليل مستدرات
أ فاطم لو خلت الحسين مجدلا
و قد مات عطشانا بشط فرات
إذا للطمت الخد فاطم عنده
و أجريت دمع العين في الوجنات
أ فاطم قومي يا ابنة الخير فاندبي
نجوم سماوات بأرض فلاة
قبور بكوفان و أخرى بطيبة
و أخرى بفخ نالها صلوات

صفحه: 323

و أخرى بأرض الجوزجان محلها
و قبر بباخمرى لدى الغربات
و قبر ببغداد لنفس زكية
تضمنها الرحمن في الغرفات
و قبر بطوس يا لها من مصيبة
ألحت على الأحشاء بالزفرات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائما
يفرج عنا الغم و الكربات
علي بن موسى أرشد الله أمره
و صلى عليه أفضل الصلوات
فأما الممضات التي لست بالغا
مبالغها مني بكنه صفات
قبور ببطن النهر من جنب كربلاء
معرسهم منها بشط فرات

صفحه: 324

توفوا عطاشا بالفرات فليتني
توفيت فيهم قبل حين وفاتي
إلى الله أشكو لوعة عند ذكرهم
سقتني بكأس الذل و القصعات
أخاف بأن أزدادهم فتشوقني
مصارعهم بالجزع و النخلات
تقسمهم ريب المنون فما ترى
لهم عقرة مغشية الحجرات
خلا أن منهم بالمدينة عصبة
مدينين أنضاء من اللزبات
قليلة زوار سوى أن زورا
من الضبع و العقبان و الرخمات
لهم كل يوم تربة بمضاجع
ثوب في نواحي الأرض مفترقات
تنكب لأواء السنين جوارهم
و لا تصطليهم جمرة الجمرات
و قد كان منهم بالحجاز و أرضها
مغاوير نحارون في الأزمات
حمى لم تزره المذبنات و أوجه
تضي‏ء لدى الأستار و الظلمات

صفحه: 325

إذا وردوا خيلا بسمر من القنا
مساعير حرب أقحموا الغمرات
فإن فخروا يوما أتوا بمحمد
و جبريل و الفرقان و السورات
و عدوا عليا ذا المناقب و العلى
و فاطمة الزهراء خير بنات
و حمزة و العباس ذا الهدى و التقى
و جعفرها الطيار في الحجبات
أولئك لا منتوج هند و حزبها
سمية من نوكى و من قذرات
ستسأل تيم عنهم و عديها
و بيعتهم من أفجر الفجرات
هم منعوا الآباء عن أخذ حقهم
و هم تركوا الأبناء رهن شتات
و هم عدلوها عن وصي محمد
فبيعتهم جاءت على الغدرات
وليهم صنو النبي محمد
أبو الحسن الفراج للغمرات
ملامك في آل النبي فإنهم
أحباي ما داموا و أهل ثقاتي
تحيزتهم رشدا لنفسي و إنهم
على كل حال خيرة الخيرات
نبذت إليهم بالمودة صادقا
و سلمت نفسي طائعا لولاتي
فيا رب زدني في هواي بصيرة
و زد حبهم يا رب في حسناتي
سأبكيهم ما حج لله راكب
و ما ناح قمري على الشجرات
و إني لمولاهم و قال عدوهم
و إني لمحزون بطول حياتي
بنفسي أنتم من كهول و فتية
لفك عناة أو لحمل ديات
و للخيل لما قيد الموت خطوها
فأطلقتهم منهن بالذربات
أحب قصي الرحم من أجل حبكم
و أهجر فيكم زوجتي و بناتي
و أكتم حبيكم مخافة كاشح
عنيد لأهل الحق غير موات

صفحه: 326

فيا عين بكيهم و جودي بعبرة
فقد آن للتسكاب و الهملات
لقد خفت في الدنيا و أيام سعيها
و إني لأرجو الأمن عند وفاتي
أ لم تر أني مذ ثلاثون حجة
أروح و أغدوا دائم الحسرات
أرى فيئهم في غيرهم متقسما
و أيديهم من فيئهم صفرات
و كيف أداوي من جوى بي و الجوى
أمية أهل الكفر و اللعنات
و آل زياد في الحرير مصونة
و آل رسول الله منهتكات
سأبكيهم ما ذر في الأفق شارقا
و نادى منادي الخير بالصلوات
و ما طلعت شمس و حان غروبها
و بالليل أبكيهم و بالغدوات
ديار رسول الله أصبحن بلقعا
و آل زياد تسكن الحجرات
و آل رسول الله تدمى نحورهم
و آل زياد ربه الحجلات
و آل رسول الله تسبى حريمهم
و آل زياد آمنوا السربات
و آل زياد في القصور مصونة
و آل رسول الله في الفلوات
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم
أكفا عن الأوتار منقبضات

صفحه: 327

فلو لا الذي أرجوه في اليوم أو غد
تقطع نفسي أثرهم حسرات
خروج إمام لا محالة خارج
يقوم على اسم الله و البركات
يميز فينا كل حق و باطل
و يجزي على النعماء و النقمات
فيا نفس طيبي ثم يا نفس فأبشري
فغير بعيد كلما هو آت
و لا تجزعي من مدة الجور إنني
أرى قوتي قد آذنت بثبات
فإن قرب الرحمن من تلك مدتي
و أخر من عمري و وقت وفاتي
شفيت و لم أترك لنفسي غصة
و رويت منهم منصلي و قناتي
فأني من الرحمن أرجو بحبهم
حياة لدى الفردوس غير تبات
عسى الله أن يرتاح للخلق إنه
إلى كل قوم دائم اللحظات
فإن قلت عرفا أنكروه بمنكر
و غطوا على التحقيق بالشبهات
تقاصر نفسي دائما عن جدالهم
كفاني ما ألقى من العبرات
أحاول نقل الصم عن مستقرها
و أسماء أحجار من الصلدات
فحسبي منهم أن أبوء بغصة
تردد في صدري و في لهواتي
فمن عارف لم ينتفع و معاند
تميل به الأهواء للشهوات
كأنك بالأضلاع قد ضاق ذرعها
لما حملت من شدة الزفرات

فقال دعبل يا ابن رسول الله لمن هذا القبر بطوس فقال ع قبري و لا تنقضي الأيام و السنون- حتى تصير طوس مختلف شيعتي- فمن زارني في غربتي- كان معي في درجتي يوم القيامة مغفورا له- و نهض الرضا ع و قال لا تبرح- و أنفذ إليه صرة فيها مائة دينار فردها و قال- ما لهذا جئت و طلب شيئا من ثيابه فأعطاه جبة من خز و الصرة- و قال للخادم قل له خذها- فإنك ستحتاج إليها و لا تعاودني- فأخذها و سار من مرو في قافلة- فوقع عليهم اللصوص

صفحه: 328

و أخذوهم- و جعلوا يقسمون ما أخذوا من أموالهم- فتمثل رجل منهم بقوله-

أرى فيئهم في غيرهم متقسما

البيت- فقال دعبل لمن هذا البيت- فقال لرجل من خزاعة يقال له دعبل فقال فأنا دعبل قائل هذه القصيدة- فحلوا كتافه و كتاف جميع من في القافلة- و ردوا إليهم جميع ما أخذ منهم- و سار دعبل حتى وصل إلى قم فأنشدهم القصيدة- فوصلوه بمال كثير- و سألوه أن يبيع الجبة منهم بألف دينار- فأبى و سار عن قم فلحقه قوم من أحداثهم- و أخذوا الجبة منه فرجع و سألهم ردها فقالوا- لا سبيل إلى ذلك فخذ ثمنها ألف دينار- فقال على أن تدفعوا إلي شيئا منها- فأعطوه بعضها و ألف دينار- و عاد إلى وطنه فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما في منزله- فباع المائة دينار التي وصله بها الرضا ع من الشيعة كل دينار بمائة درهم- و تذكر قول الرضا ع إنك ستحتاج إليها

و عن أبي الصلت الهروي قال سمعت دعبلا قال لما أنشدت مولانا الرضا ع القصيدة- و انتهيت إلى قولي-

خروج إمام لا محالة خارج
يقوم على اسم الله بالبركات
يميز فينا كل حق و باطل
و يجزي على النعماء و النقمات

بكى الرضا ع بكاء شديدا ثم رفع رأسه إلي و قال- يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين- فهل تدري من هذا الإمام و متى يقوم- قلت لا إلا أني سمعت يا مولاي- بخروج إمام منكم يملأ الأرض عدلا- فقال يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني- و من بعد محمد ابنه علي و بعد علي ابنه الحسن و بعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته- المطاع في ظهوره- و لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد- لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج- فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا

و عن إبراهيم بن العباس قال كان الرضا ع ينشد كثيرا-

صفحه: 329

إذا كنت في خير فلا تغرر به
و لكن قل اللهم سلم و تمم

و عن الريان بن الصلت قال أنشدني الرضا ع لعبد المطلب

يعيب الناس كلهم الزمانا
و ما لزماننا عيب سوانا
نعيب زماننا و العيب فينا
و لو نطق الزمان بنا هجانا
و ليس الذئب يأكل لحم ذئب
و يأكل بعضنا بعضا عيانا

و شكا رجل في مجلسه رجلا فأنشأ ع يقول-

أعذر أخاك على ذنوبه
و استر و غط على عيوبه
و اصبر على بهت السفيه
و للزمان على خطوبه
و دع الجواب تفضلا
و كل الظلوم إلى حسيبه

و قد سبق ذكرها

و عن أبي الصلت الهروي قال كان الرضا ع يكلم الناس بلغاتهم- و كان و الله أفصح الناس و أعلمهم بكل لسان و لغة- فقلت له يوما يا ابن رسول الله- إني لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها- فقال يا أبا الصلت أنا حجة الله على خلقه- و ما كان الله ليتخذ حجة على قوم- و هو لا يعرف لغاتهم- أ و ما بلغك قول أمير المؤمنين ع أوتينا فصل الخطاب و هل فصل الخطاب- إلا معرفة اللغات

و عن الرضا ع أنه قال له رجل من خراسان يا ابن رسول الله- رأيت رسول الله ص في المنام كأنه يقول لي- كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بعضي- و استحفظتم وديعتي- و غيب في ثراكم نجمي- فقال له الرضا أنا المدفون في أرضكم- و أنا بضعة من نبيكم و أنا الوديعة و النجم- ألا فمن زارني و هو يعرف ما أوجب الله تعالى من حقي و طاعتي- فأنا و آبائي شفعائه يوم القيامة- و من كنا شفعاءه نجا- و لو كان عليه مثل وزر الثقلين الجن و الإنس- و لقد حدثني

صفحه: 330

أبي عن جدي عن أبيه أن رسول الله ص قال- من رآني في منامه فقد رآني- فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي- و لا في صورة أحد من أوصيائي- و لا في صوره أحد من شيعتهم- و إن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءا من النبوة و أما ما روي عنه ع من فنون العلم- و أنواع الحكم و الأخبار المجموعة- و المنثورة و المجالس مع أهل الملل- و المناظرات المشهورة فأكثر من أن تحصى- و قال الفصل الخامس- في ذكر نبذ من أخباره ع مع المأمون ثم ذكر ما قدمناه من أمر العقد له- بولاية العهد على ما أوردناه- و حديث خروجه ع إلى صلاة العيد- و ما جرى فيه و عوده إلى داره دون إتمامها- و قد سبق ذكر حديث كتاب الحسن إلى أخيه الفضل و التحويل و دخول الحمام و قتل الفضل الفصل السادس في ذكر وفاته ع- أورد في هذا الفصل ما قدمناه من الأسباب- التي كان المأمون يأخذها عليه- كما أورده الشيخ المفيد رحمه الله حذو النعل بالنعل- و قال إن الرضا ع لما دخل إلى داره- حين خرج من عند المأمون مغطى الرأس فلم أكلمه- و كان قد أوصاني قبل ذلك- أن يحفروا له في الموضع الذي عينه- و أن يشق له ضريح فإن أبوا إلا اللحد- فأمرهم أن يجعلوه ذراعين و شبرا- فإن الله سيوسعه ما شاء و سترى نداوة- فتكلم بما أعلمك به- فإن الماء ينبع حتى يملأ اللحد- و ترى فيه حيتانا صغارا- ففت لها الخبز الذي أعطيك فإنها تلتقطه- فإذا لم يبق منه شي‏ء خرجت حوتة كبيرة- فالتقطت تلك الحيتان الصغار- حتى لا يبقى منها شي‏ء- فإذا غابت فضع يدك على فيك- و تكلم بالكلام الذي علمتك فإنه ينضب الماء- فلا يبقى منه شي‏ء- و لا تفعل ذلك إلا بحضرة المأمون ثم قال غدا أدخل إليه- فإن خرجت مكشوف الرأس فتكلم- و إن خرجت مغطى الرأس فلا تكلمني- فلم أتكلم حتى دخل الدار- و أمر أن يغلق الباب ثم نام على فراشه- فبينا أنا كذلك إذ دخل شاب حسن الوجه- قطط الشعر أشبه الناس بالرضا فبادرت إليه و قلت من أين دخلت و الباب مغلق- فقال الذي جاء بي من المدينة هذا الوقت- هو الذي أدخلني الدار و الباب مغلق-

صفحه: 331

فقلت و من أنت قال أنا حجة الله عليك يا أبا الصلت أنا محمد بن علي ثم مضى نحو أبيه ع- فدخل و أمرني بالدخول معه- فلما نظر إليه الرضا ع وثب إليه- و عانقه و ضمه إلى صدره و قبل ما بين عينيه- ثم سحبه سحبا في فراشه- و أكب عليه محمد يقبله و يساره بشي‏ء لم أفهمه- فرأيت على شفتي الرضا ع زبدا أشد بياضا من الثلج- فرأيت أبا جعفر يلحسه بلسانه- ثم أدخل يده بين ثوبيه و صدره- فاستخرج منه شيئا شبيها بالعصفور- فابتلعه أبو جعفر و مضى الرضا ع فقال أبو جعفر قم يا أبا الصلت و ائتني بالغسل و الماء من الخزانة- فقلت ما في الخزانة مغسل و لا ماء- فقال انته إلى ما أمرتك- فدخلت إلى الخزانة فوجدت ذلك- فأخرجته و شمرت ثيابي لأغسله معه فقال- يا أبا الصلت إن معي من يعينني غيرك فغسله- ثم قال لي أخرج من الخزانة السفط- الذي فيه كفنه و حنوطه- فدخلت فإذا أنا بسفط لم أره في تلك الخزانة قط- فحملته إليه و كفنه و صلى عليه- ثم قال ائتني بالتابوت- فقلت له أمضي إلى النجار حتى يصلح تابوتا- قال قم فإن في الخزانة تابوتا- فدخلت فوجدته فأتيته به- فأخذه ع فوضعه في التابوت بعد ما صلى عليه- و صف قدميه و صلى ركعتين- لم يفرغ منهما حتى ارتفع التابوت- فانشق السقف فخرج منه و مضى- فقلت يا ابن رسول الله الساعة يجيئنا المأمون و يطالبنا بالرضا فما نصنع- فقال لي اسكت فإنه سيعود- يا أبا الصلت ما من نبي يموت في المشرق- و يموت وصيه في المغرب- إلا جمع الله بين أرواحهما و أجسادهما- فما أتم الحديث حتى انشق السقف و نزل التابوت- فقام ع و استخرج الرضا ع من التابوت- و وضعه على فراشه كأنه لم يغسل و لم يكفن- ثم قال قم يا أبا الصلت فافتح الباب للمأمون ففتحت الباب فإذا المأمون و الغلمان بالباب- فدخل باكيا حزينا قد شق جيبه و لطم رأسه و هو يقول- يا سيداه فجعت بك يا سيدي- ثم دخل و جلس عند رأسه و قال- خذوا في تجهيزه فأمر أن يحفر له في القبلة- فقلت أمرني أن أحفر له سبع مراقي- و أن أشق له ضريحه فقال- انتهوا إلى ما يأمر به أبو الصلت سوى الضريح- و لكن يحفر له و يلحد- فلما رأى ما

صفحه: 332

ظهر من النداوة و الحيتان و غير ذلك- قال لم يزل الرضا يرينا العجائب في حياته- حتى أراناها بعد وفاته- فقال له قرين كان معه أ تدري ما أخبرك به الرضا ع قال لا- قال أخبركم أن ملككم بني العباس مع كثرتكم- و طول مدتكم مثل هذه الحيتان- حتى إذا فنيت آجالكم- و انقطعت آثاركم و ذهبت دولتكم- سلط الله تعالى عليكم رجلا منا فأفناكم عن آخركم- قال له صدقت قلت ما أعجب هذا التأويل- و لو جعل ذلك دليلا على ما جرى من زوال ملكهم كان أغرب- ثم قال يا أبا الصلت علمني الكلام الذي تكلمت به- قلت و الله لقد أنسيته من ساعتي و قد كنت صدقت- فأمر بحبسي و ضاق علي الحبس- و سألت الله أن يفرج عني بحق محمد و آله- فلم أستتم الدعاء- حتى دخل علي محمد بن علي ع و قال لي ضاق صدرك يا أبا الصلت فقلت إي و الله قال فقم و اخرج- ثم ضرب بيده إلى القيود التي كانت علي- ففكها و أخذ بيدي و أخرجني من الدار- و الحرسة و الغلمة يرونني- فلم يستطيعوا أن يكلموني- و خرجت من باب الدار ثم قال- امض في ودائع الله فإنك لن تصل إليه- و لا يصل إليك أبدا- قال أبو الصلت فلم ألتق المأمون حتى هذا الوقت-

و روى عن إبراهيم بن العباس قال كانت البيعة للرضا ع لخمس- خلون من شهر رمضان سنة إحدى و مائتين- و زوجه ابنته أم حبيب في أول سنة اثنتين و مائتين- و توفي سنة ثلاث و مائتين و المأمون متوجه إلى العراق

و في رواية هرثمة بن أعين عن الرضا ع في حديث طويل أنه قال يا هرثمة هذا أوان رحيلي إلى الله عز و جل- و لحوقي بجدي و آبائي ع- و قد بلغ الكتاب أجله- فقد عزم هذا الطاغي على سمي في عنب- و رمان مفتوت مفروك- فأما العنب فإنه يغمس السلك في السم- و يجذبه بالخيط في العنب- و أما الرمان فيطرح السم في كف بعض غلمانه- و يفرك الرمان به ليطلخ الحب بذلك السم- و أنه سيدعوني في اليوم المقبل- و يقرب إلي الرمان و العنب- و يسألني أن آكلهما فآكلهما ثم ينفذ الحكم ثم ساق الحديث بطوله- قريبا من حديث أبي

صفحه: 333

الصلت الهروي في معناه- و يزيد عليه بأشياء- و كان للرضا ع من الولد ابنه- أبو جعفر محمد بن علي الجواد ع لا غير- و لما توفي الرضا ع أنفذ المأمون إلى محمد بن جعفر الصادق ع و جماعة آل أبي طالب الذين كانوا عنده- فلما حضروه نعاه إليهم- و أظهر حزنا شديدا و توجعا- و أراهم إياه صحيح الجسد و قال- يا أخي يعز علي بأن أراك بهذه الحال- و قد كنت آمل أن أقدم قبلك- و لكن أبى الله إلا ما أراد آخر ما أورده الطبرسي و قد تقدم مثل هذا- قال الفقير إلى الله تعالى عبد الله علي بن عيسى أثابه الله- و في سنة سبعين و ستمائة وصل من مشهده الشريف ع أحد قوامه- و معه العهد الذي كتبه المأمون بخط يده و بين سطوره- و في ظهره بخط الإمام ع ما هو مسطور- فقبلت مواقع أقلامه و سرحت طرفي في رياض كلامه- و عددت الوقوف عليه من منن الله و إنعامه- و نقلته حرفا فحرفا- و ما هو بخط المأمون بسم الله الرحمن الرحيم- هذا كتاب كتبه عبد الله بن هارون الرشيد أمير المؤمنين- لعلي بن موسى بن جعفر ولي عهده- أما بعد فإن الله عز و جل اصطفى الإسلام دينا- و اصطفى له من عباده رسلا دالين عليه- و هادين إليه يبشر أولهم بآخرهم- و يصدق تاليهم ماضيهم- حتى انتهت نبوة الله إلى محمد ص على فترة من الرسل- و دروس من العلم و انقطاع من الوحي- و اقتراب من الساعة فختم الله به النبيين- و جعله شاهدا لهم و مهيمنا عليهم- و أنزل عليه كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه- تنزيل من حكيم حميد بما أحل و حرم- و وعد و أوعد و حذر و أنذر و أمر به و نهى عنه- لتكون له الحجة البالغة على خلقه- ليهلك من هلك عن بينة و يحيا من حي عن بينة- و أن الله لسميع عليم فبلغ عن الله رسالته- و دعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة و الموعظة الحسنة- و المجادلة بالتي هي أحسن- ثم بالجهاد و الغلظة- حتى قبضه الله إليه و اختار له ما عنده ص-

صفحه: 334

فلما انقضت النبوة- و ختم الله بمحمد ص الوحي و الرسالة- جعل قوام الدين و نظام أمر المسلمين بالخلافة- و إتمامها و عزها و القيام بحق الله فيها بالطاعة- التي بها يقام فرائض الله و حدوده- و شرائع الإسلام و سننه و يجاهد بها عدوه- فعلى خلفاء الله طاعته فيما استحفظهم- و استرعاهم من دينه و عباده- و على المسلمين طاعة خلفائهم- و معاونتهم على إقامة حق الله و عدله- و أمن السبيل و حقن الدماء و صلاح ذات البين و جمع الألفة- و في خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين و اختلالهم- و اختلاف ملتهم و قهر دينهم و استعلاء عدوهم- و تفرق الكلمة و خسران الدنيا و الآخرة- فحق على من استخلفه الله في أرضه- و ائتمنه على خلقه أن يجهد لله نفسه- و يؤثر ما فيه رضا الله و طاعته- و يعتد لما الله مواقفه عليه و مسائله عنه- و يحكم بالحق و يعمل بالعدل فيما حمله الله و قلده- فإن الله عز و جل يقول لنبيه داود ع يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ- فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِالْحَقِّ- وَ لا تَتَّبِعِ اَلْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ- إِنَّ اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ- بِما نَسُوا يَوْمَ اَلْحِسابِ و قال الله عز و جل- فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ و بلغنا أن عمر بن الخطاب قال- لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوفت أن يسألني الله عنها- و ايم الله أن المسئول عن خاصة نفسه- الموقوف على عمله فيما بينه و بين الله- ليتعرض على أمر كبير و على خطر عظيم- فكيف بالمسئول عن رعاية الأمة و بالله الثقة- و إليه المفزع و الرغبة في التوفيق و العصمة- و التشديد و الهداية إلى ما فيه ثبوت الحجة- و الفوز من الله بالرضوان و الرحمة- و أنظر الأمة لنفسه و أنصحهم لله في دينه- و عباده من خلائقه في أرضه من عمل بطاعة الله- و كتابه و سنة نبيه ع في مدة أيامه و بعدها- و أجهد رأيه و نظره فيمن يوليه عهده- و يختاره لإمامه المسلمين و رعايتهم بعده- و ينصبه علما لهم و مفزعا في جميع ألفتهم و لم شعثهم- و حقن دمائهم و الأمن بإذن الله من فرقتهم- و فساد ذات بينهم و اختلافهم- و رفع نزع الشيطان و كيده عنهم- فإن الله عز و جل جعل العهد بعد الخلافة- من تمام أمر الإسلام و كماله و عزه و صلاح أهله- و ألهم خلفائه من

صفحه: 335

توكيده- لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النعمة- و شملت فيه العافية- و نقض الله بذلك مكر أهل الشقاق و العداوة- و السعي في الفرقة و التربص للفتنة- و لم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة- فاختبر بشاعة مذاقها و ثقل محملها و شدة مؤنتها- و يجب على من تقلدها- من ارتباط طاعة الله و مراقبته فيما حمله منها- فأنصب بدنه و أشهر عينه- و أطال فكره فيما فيه عز الدين- و قمع المشركين و صلاح الأمة- و نشر العدل و إقامة الكتاب و السنة- و منعه ذلك من الخفض و الدعة- و مهنإ العيش علما بما الله سائله عنه- و محبة أن يلقى الله مناصحا له في دينه و عباده- و مختارا لولاية عهده و رعاية الأمة من بعده- أفضل من يقدر عليه في ورعه و دينه و علمه- و أرجاهم للقيام في أمر الله و حقه- مناجيا لله تعالى بالاستخارة في ذلك- و مسألته إلهامه ما فيه رضاه- و طاعته في آناء ليله و نهاره- معملا في طلبه و التماسه في أهل بيته- من ولد عبد الله بن العباس و علي بن أبي طالب فكره و نظره مقتصرا لمن علم حاله و مذهبه منهم على علمه- و بالغا في المسألة عمن خفي عليه أمره جهده و طاقته حتى استقصى أمورهم معرفة- و ابتلى أخبارهم مشاهدة- و استبرأ أحوالهم معاينة- و كشف ما عندهم مساءلة- فكانت خيرته بعد استخارته لله- و إجهاده نفسه في قضاء حقه في عباده- و بلاده في البيتين جميعا- علي بن موسى بن جعفر بن محمد- بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما رأى من فضله البارع و علمه الناصع- و ورعه الظاهر و زهده الخالص و تخليه من الدنيا- و تسلمه من الناس- و قد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطية- و الألسن عليه متفقة و الكلمة فيه جامعة- و لما لم يزل يعرفه به من الفضل نافعا- و ناشئا و حدثا و مكتهلا فعقد له بالعهد- و الخلافة من بعده واثقا بخيرة الله في ذلك- إذ علم الله أنه فعله إيثارا له و للدين-

صفحه: 336

و نظرا للإسلام و المسلمين- و طلبا للسلامة و ثبات الحق- و النجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين- و دعا أمير المؤمنين ولده و أهل بيته و خاصته- و قواده و خدمه فبايعوا مسرعين مسرورين- عالمين بإيثار أمير المؤمنين- طاعة الله على الهوى في ولده و غيرهم- ممن هو أشبك منه رحما- و أقرب قرابة و سماه الرضا إذ كان رضا عند أمير المؤمنين- فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين- و من بالمدينة المحروسة من قواده و جنده- و عامة المسلمين لأمير المؤمنين- و للرضا من بعده كتب بقلمه الشريف بعد قوله- و للرضا من بعده- بل آل من بعده علي بن موسى على اسم الله و بركته و حسن قضائه لدينه و عباده- بيعة مبسوطة إليها أيديكم- منشرحة لها صدوركم- عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها- و آثر طاعة الله و النظر لنفسه و لكم فيها- شاكرين لله على ما ألهم أمير المؤمنين- من قضاء حقه في رعايتكم- و حرصه على رشدكم و صلاحكم راجين عائدة- ذلك في جمع ألفتكم و حقن دمائكم- و لم شعثكم و سد ثغوركم و قوة دينكم- و رغم عدوكم و استقامة أموركم- و سارعوا إلى طاعة الله و طاعة أمير المؤمنين- فإنه الأمن إن سارعتم إليه و حمدتم الله عليه- عرفتم الحظ فيه إن شاء الله- و

صفحه: 337

كتب بيده يوم الإثنين بسبع خلون من شهر رمضان- سنة إحدى و مائتين- صورة ما كان على ظهر العهد- بخط الإمام علي بن موسى الرضا ع

بسم الله الرحمن الرحيم- الحمد لله الفعال لما يشاء- لا معقب لحكمه و لا راد لقضائه- يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور- و صلاته على نبيه محمد خاتم النبيين- و آله الطيبين الطاهرين- أقول و أنا علي بن موسى الرضا بن جعفر إن أمير المؤمنين عضده الله بالسداد و وفقه للرشاد- عرف من حقنا ما جهله غيره- فوصل أرحاما قطعت و أمن نفوسا فزعت بل أحياها و قد تلفت- و أغناها إذ افتقرت مبتغيا رضا رب العالمين- لا يريد جزاء من غيره و سيجزي الله الشاكرين- و لا يضيع أجر المحسنين- و إنه جعل إلي عهده و الإمرة الكبرى إن بقيت بعده- فمن حل عقدة أمر الله بشدها- و فصم عروة أحب الله إيثاقها فقد أباح حريمه- و أحل محرمه- إذ كان بذلك زاريا على الإمام- منهتكا حرمة الإسلام بذلك جرى السالف- فصبر عنه على الفلتات- و لم يعترض بعدها على الغرمات- خوفا من شتات الدين و اضطراب حبل المسلمين- و لقرب أمر الجاهلية- و رصد فرصة تنتهز و بائقة تبتدر- و قد جعلت الله على نفسي إن استرعاني أمر المسلمين- و قلدني خلافته العمل فيهم عامة- و في بني العباس بن عبد المطلب خاصة- بطاعته و طاعة رسوله ص- و أن لا أسفك دما حراما- و لا أبيح فرجا و لا مالا إلا ما سفكته حدود الله- و أباحته فرائضه و أن أتخير الكفاة جهدي و طاقتي- و جعلت بذلك على نفسي عهدا مؤكدا يسألني الله عنه- فإنه عز و جل يقول- وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ اَلْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً و إن أحدثت أو غيرت- أو بدلت كنت للغير مستحقا- و للنكال متعرضا و أعوذ بالله من سخطه- و إليه أرغب في التوفيق لطاعته- و الحول بيني و بين معصيته في عافية لي و للمسلمين- و الجامعة و الجفر يدلان على ضد ذلك- و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم- إن الحكم

صفحه: 338

إلا لله يقضي بالحق و هو خير الفاصلين- لكني امتثلت أمر أمير المؤمنين و آثرت رضاه- و الله يعصمني و إياه- و أشهدت الله على نفسي بذلك- و كفى بالله شهيدا- و كتبت بخطي بحضرة أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- و الفضل بن سهل و سهل بن الفضل و يحيى بن أكثم و عبد الله بن طاهر و ثمامة بن أشرس و بشر بن المعتمر و حماد بن النعمان في شهر رمضان سنة إحدى و مائتين الشهود على جانب الأيمن- شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذا المكتوب- ظهره و بطنه- و هو يسأل الله أن يعرف أمير المؤمنين- و كافة المسلمين ببركة هذا العهد و الميثاق- و كتب بخطه في تاريخ المبين فيه- عبد الله بن طاهر بن الحسين أثبت شهادته فيه بتاريخه- شهد حماد بن النعمان بمضمونه ظهره و بطنه- و كتب بيده في تاريخه بشر بن المعتمر يشهد بمثل ذلك- الشهود على الجانب الأيسر- رسم أمير المؤمنين أطال الله بقاءه- قراءة هذه الصحيفة التي هي صحيفة الميثاق- نرجو أن يجوز بها الصراط ظهرها و بطنها- بحرم سيدنا رسول الله ص بين الروضة و المنبر- على رءوس الأشهاد- بمرأى و مسمع من وجوه بني هاشم و سائر الأولياء- و الأجناد- بعد استيفاء شروط البيعة عليهم- بما أوجب أمير المؤمنين الحجة به على جميع المسلمين- و لتبطل الشبهة التي كانت اعترضت آراء الجاهلين- و ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه- و كتب الفضل بن سهل بأمر أمير المؤمنين بالتاريخ فيه-

صفحه: 339

قال الفقير إلى الله تعالى علي بن عيسى أثابه الله- و رأيت خطه ع في واسط سنة سبع و سبعين و ستمائة- جوابا عما كتبه إليه المأمون

بسم الله الرحمن الرحيم- وصل كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه- يذكر ما ثبت من الروايات- و رسم أن أكتب له ما صح عندي- من حال هذه الشعرة الواحدة- و الخشبة التي لرحا المد- لفاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليها و على أبيها و زوجها و بنيها- فهذه الشعرة الواحدة- شعرة من شعر رسول الله ص لا شبهة و لا شك- و هذه الخشبة المد المذكورة- لفاطمة ع لا ريب و لا شبهة- و أنا قد تفحصت و تحدبت و كتبت إليك- فاقبل قولي فقد أعظم الله لك- في هذا الفحص أجرا عظيما و بالله التوفيق- و كتب علي بن موسى بن جعفر عليهما السلام و علي سنة إحدى و مائتين من هجره صاحب التنزيل جدي ص قال الفقير إلى الله تعالى عبد الله بن علي بن عيسى أثابه الله مناقب الإمام علي بن موسى الرضا ع رضا في المناقب و أمداد فضله متوالية توالي المقانب- و موالاته محمودة المبادئ مباركة العواقب- و عجائب أوصافه من غرائب العجائب- و شرفه و نبله قد حلا من الشرف في الذروة و الغارب- و صيت سؤدده قد شاع و ذاع في المشارق و المغارب- فلمواليه السعد الطالع و لشانيه النحس الغارب- أما شرف الآباء فأشهر من الصباح المنير- و أضوأ من عارض الشمس المستدير- و أما أخلاقه و سماته و سيرته و صفاته و دلائله- و علاماته و نفسه الشريفة و ذاته- فناهيك من فخار و حسبك من علو منار- و قدرك من سمو مقدار يجاري الهواء كرم أخلاق- و يجاوز السماء طهارة أعراق- لو ولج السماء شريف ولجها بشرفه- أو طال الملائكة الكرام لطالهم بنفسه الزاكية و سلفه- و فضلهم بولده و خلفه نور مشرق من أنوار-

صفحه: 340

و سلالة طاهرة من أطهار- و غصن فخر من سرحة فخار- و ثمرة جنية من الدوحة الكريمة العليا- و نبعة ناضرة قويمة من الشجرة- التي أصلها ثابت و فرعها في السماء- أخباره ع كلها عيون- و سيرته السرية كاللؤلؤ الموضون- و مقالاته و مقاماته قيد القلوب- و جلاء الأسماع و نزهة العيون- و معارفه الإلهية واحدة في العلم بما كان و ما يكون- محدث في خاطره الشريف- بالسر المكتوم و العلم المكنون- ملهم بمعرفة الظاهر المشهور و الباطن المخزون- مطلع على خفايا لا تتخيلها الأفكار- و لا تخيلها الظنون- جار من فضائله- و فواضله على طريقة ورثها عن الآباء- و ورثها عنه البنون- فهم جميعا في كرم الأرومة- و زكاء الجرثومة كأسنان المشط متعادلون- فشرفا لهذا البيت العظيم الرتبة- العلي المحلة السامي المكانة- لقد طال السماء علاء و نبلا- و سما على الثوابت منزلة و محلا- و استوفى صفات الكمال فما يستثني في شي‏ء منه بغير- و لا إلا انتظم هؤلاء الأئمة ع انتظام اللئالي- و تناسبوا في الشرف فاستوى المقدم و التالي- و نالوا مرتبة مجد هلك دونها المقصر و العالي- و حين اقتسمت شمل مراتب السيادة- كان لغيرهم السافل و لهم العالي- كم اجتهد الأعداء في خفض منارهم و الله يرفعه- و كم ركبوا الصعب و الذلول- في تشتيت شمل عزهم و الله يجمعه- و كم ضيعوا من حقوقهم ما لا يهمله الله و لا يضيعه- و مع كثرة عداتهم و تظاهر الناس عليهم- و غلبة شناتهم و مدهم أيدي القهر إليهم- لم يزدادوا على الاختبار إلا صبرا و احتسابا- و على القتل و التشريد إلا إغراقا في الحمد و إطنابا- و تحصيلا للأجر و اكتسابا- و اعتزاء إلى أعلى منازل الطاعة و انتسابا- حتى خلصوا خلوص الذهب من النار- و سلموا في أعراضهم و أديانهم من العاب و العار- فالولي و العدو يشهدان لهم بعلو المنصب و سمو المقدار-

قال فيه البليغ ما قال ذو
العي فكل بفضله منطيق
و كذلك العدو لم يعد أن
قال جميلا كما يقول الصديق

و هذا الإمام الرضا هو لله سبحانه رضا- و قد قضى من شرفه و مجده بما قضى- و نصبه دليلا لمن يأتي و على من مضى- فظهر من فضائله و أخباره- و اشتهر من

صفحه: 341

صفاته و آثاره- ما كان أمضى من السيف المنتضى- و أبى أن يكون هذا النعت الرضى- إلا لذلك السيد المرتضى- و لم أزل مذ كنت حدثا أهش لذكره- و أطرب لما يبلغني من خلاله و سجاياه و سمو قدره- فرزقني الله- و له الحمد أن أثبت شيئا من مناقبه- و شاهدت بعين الاعتبار جملة من عجائبه- و أعجبتني نفسي حين عرفت اختيارها في حالة الشباب- و سرني أن عددت من واصفي فضله- و فضل آبائه و أبنائه في هذا الكتاب- و المنة لله تعالى فهو الذي أمد بالتوفيق- و هدى إلى الطريق و لا منة عليهم ع- فإن الواجب على العبد مدح سيده- و وصف فخاره و سؤدده- و الذب عنه بلسانه و يده- و قد سمح خاطري بشعر في مدحه موسوم- و بشريف اسمه و اسمي مرقوم- و أنا أعتذر إلى محله الشريف- و مقامه العالي المنيف من التقصير- عما يجب لقدره الخطير- و لكن لا مرما جزع أنفه قصير- فإني أحب أن أكون من شعراء مجدهم- و إن كنت مقصرا عما يجب لعبدهم- أو لأحد من أهل ودهم- و الشعر

أيها الراكب المجد قف العيش
إذا ما حللت في أرض طوسا
لا تخف من كلالها و دع التأديب
دون الوقوف و التعريسا
و الثم الأرض إن رأيت ثرى
مشهد خير الورى علي بن موسى
و أبلغنه تحية و سلاما
كشذي المسك من علي بن عيسى
قل سلام الإله في كل وقت
يتلقى ذاك المحل النفيسا
منزل لم يزل به ذاكر الله
يتلو التسبيح و التقديسا
دار عز ما انفك قاصدها
يزجي إليها آماله و العيسا
بيت مجد ما زال وقفا عليه
الحمد و المدح و الثناء حبيسا
ما عسى أن يقال في مدح قوم
أسس الله مجدهم تأسيسا
ما عسى أن أقول في مدح قوم
قدس الله ذكرهم تقديسا
هم هداة الورى و هم أكرم
الناس أصولا شريفة و نفوسا

صفحه: 342

إن عرت أزمة تندوا غيوثا
أو دجت شبهة تبدوا شموسا
شرفوا الخيل و المنابر لما
افترعوها و الناقة العنتريسا
معشر حبهم يجلي هموما
و مزاياهم تجلي طروسا
كرموا مولدا و طابوا أصولا
و زكوا محتدا و طالوا غروسا
ليس يشقي بهم جليس و من كان
ابن شورى إذا أرادوا جليسا
قمت في نصرهم بمدحي لما
فاتني أن أجر فيه خميسا
ملئوا بالولاء قلبي رجاء
و بمدحي لهم ملأت الطروسا
فتراني لهم مطيعا حنينا
و على غيرهم أبيا شموسا
يا علي الرضا أبثك ودا
غادر القلب بالغرام وطيسا
مذهبي فيك مذهبي و بقلبي
لك حب أبقي جوي و رسيسا
لا أرى داءه بغيرك يشفي
لا و لا جرحه بغيرك يوسى
أتمني لو زرت مشهدك
العالي و قبلت ربعك المأنوسا
و إذا عز أن أزورك يقظان
فزرني في النوم و اشف السيسا
أنا عبد لكم مطيع إذا ما
كان غيري مطاوعا إبليسا
قد تمسكت منكم بولاء
ليس يلقى القشيب منه دريسا
أترجي به النجاة إذا ما
خاف غيري في الحشر ضرا و بؤسا
فأراني و الوجه مني طلق
و أرى أوجه الشنأة عبوسا
لا أقيس الأنام منكم بشسع
جل مقدار مجدكم أن أقيسا
من عددنا من الورى كان
مرءوسا و منكم من عد كان رئيسا
فقد العاملون مثل الذنابى
و غدوتم للعالين رءوسا

صفحه: 343